في عام 1935، وبعد رحلة دبلوماسية وتاريخية حافلة التقى خلالها بالملك عبد العزيز آل سعود في الرياض، غادر المؤرخ والدبلوماسي البريطاني «جيرالد دي غوري» الجزيرة العربية، حاملاً معه ذكرياتٍ رُسمت بمداد الحرارة والرطوبة وشغف الاستكشاف، وفي مذكراته التي صاغها بعينٍ تراقب التفاصيل الدقيقة لتقديمها للقارئ الأوروبي، تبرز «جدة» كلوحة معقدة تجمع بين قسوة المناخ وعراقة التاريخ وهيبة الشعائر الدينية، حيث يستهل دي غوري وصفه بتلك العزلة الشاحبة التي يعيشها القناصل الفرنجيون في قصورهم، في مدينة تظل حارة ورطبة بشكل يكاد لا يصدق لمدة تزيد عن ثلاث مئة يوم من السنة، معتبراً أن حياة هذه المدينة تعتمد بشكل كلي على محورين أساسيين هما الحجاج القادمون إلى مكة والبضائع المستوردة من الهند عبر البواخر ذات الرحلات المتقطعة، مما جعل التجارة هي شريان الحياة الوحيد الذي يتخلله فواصل زمنية من الركود التام.
ويرى دي غوري أن الأهمية العسكرية لجدة تعود إلى زمن التهديد البرتغالي لمصر، حين أرسل السلطان الغوري والياً لبناء أسوارها عام 1511 لحماية هذا الثغر المهم، وهو التاريخ الذي مهد لاحقاً للسيطرة العثمانية التي استمرت حتى طردهم انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى من الجزيرة العربية، إلا أن التاريخ بالنسبة لدي غوري لم يكن هو التحدي الأكبر، بل كانت البيئة التي وصفها ببراعة مفرطة صورت للقارئ الغربي كيف تفتك الحرارة بكل شيء؛ فالجرائد تتحول لخرق ممزقة، والمفاتيح تصدأ في الجيوب، وحتى أعواد الثقاب ترفض الاشتعال، بينما يظل الإنسان أسيراً للأرق بسبب الحر والحشرات التي لا تهدأ، وكان المهرب الوحيد من هذا الجحيم المناخي هو تلك الباخرة الأسبوعية الصغيرة التي تستغرق خمسة أيام لتصل إلى السويس، والتي كان على الدبلوماسي انتظارها بفارغ الصبر.
وفي وصفه للعمارة، يشير دي غوري إلى أبنية المدينة المرتفعة ذات الطوابق الخمسة والستة، وبيوت التجار المزدانة بالجص الأبيض والمصاريع الخشبية والأبواب المحفورة بإتقان، ورغم مظهرها الجذاب عن بُعد، إلا أنه يصفها بالهشاشة التي تجعلها تنهار بسرعة لتصبح خرائب تنقب فوقها قطعان الماعز، وهنا يرصد تفصيلاً غريباً للقارئ الأوروبي، حيث يروي كيف تُحمى ضروع الماعز بـ «صديريات» مرتجلة مصنوعة من علب السجائر لحماية الحليب الذي يعد الأغلى ثمناً في مدينة تعاني نقصاً حاداً في المياه، حيث يُجلب الماء في قرب جلدية على ظهور الحمير وصيحات الباعة «ماء طاهر» تملأ الأزقة من الفجر حتى الغسق، وهي تفاصيل تبرز حجم الصعوبات المعيشية التي كانت تواجه سكان المدينة البالغ عددهم آنذاك نحو ثلاثين ألف نسمة.
إن التنوع البشري في جدة كان مثار دهشة دي غوري، حيث يصفها بأنها «بابل» البحر الأحمر التي يختلط فيها الهنود والجاويون والأفارقة والصينيون وحتى الروس والبخاريون، مشكلاً خليطاً من الملابس هو الأوسع في العالم، فقد تجد مسلماً روسياً ملفعاً بالفرو رغم الحر الشديد واقفاً بجوار نيجيري لا يرتدي سوى خرقة قطنية، وهذا التباين يذوب تماماً حين يرتدي الجميع «الإحرام» لأداء شعائر الحج أو العمرة، حيث ينقل دي غوري للقارئ تفاصيل هذه المناسك بدقة، من الطواف حول الكعبة المغطاة بالقماش الأسود المطرز بالذهب، إلى تقبيل الحجر الأسود النيزكي المبدع في إطاره الفضي، وصولاً إلى الرجم والتضحية بخروف في ختام المناسك، مؤكداً على فلسفة المساواة أمام الله التي تجمع ملايين المسلمين من كل عرق وأمة في يوم واحد ولباس واحد.

رمي الجمرات