منى العتيبي
لجدة ذاكرة لا تشبه المدن؛ ذاكرة تفوح منها رائحة البحر، وتختبئ في ظلال الرواشين، وتنساب في الأزقة القديمة كحكاية لا تريد أن تنتهي في وجدان المتلقي، مدينة كانت تستقبل القادمين من البحر، وتودّع الراحلين إليه، وتفتح أبوابها للتجارة والحجاج والثقافات، حتى أصبح البحر جزءًا من شخصيتها، لا مجرد امتداد جغرافي أمامها.
وحين أتأمل جدة التاريخية اليوم، أتخيل تلك العلاقة القديمة وهي تستعيد شيئًا من نبضها؛ كأن البحر الذي ظل طويلًا على مسافة من «البلد» يقترب منها من جديد، وكأن المدينة تستعيد نافذة كانت تطل منها على العالم.
من هنا تبدو فكرة مشروع وزارة الثقافة بإنشاء بوابة بحرية ومارينا متكامل في جدة التاريخية أكبر من مشروع عمراني أو وجهة سياحية جديدة؛ إنها محاولة لإعادة وصل جدة بذاكرتها البحرية، واستعادة جزء من صورتها الأولى وهي تنظر إلى البحر بوصفه طريقًا للحياة والعالم.
تخيّل معي ستكون واجهة البلد في جدة التاريخية مرسى ونادي يخوت ومطاعم ومقاهي فارهة بمعنى ستصبح جدة التاريخية ذاكرة جديدة معجونة بالذاكرة الأولى؛ فجدة التاريخية ليست بيوتًا قديمة وأزقة تحفظ ذاكرة المكان فحسب؛ إنها مدينة كانت نابضة بالحركة، مفتوحة على البحر، وعلى التجارة والثقافات وحكايات العابرين. ولذلك فإن إعادة البحر إلى قلب تجربتها يمكن أن تمنح «البلد» حياة جديدة، من دون أن تفقد ملامحها القديمة.
