رئيسة مجلس إدارة «الأولى» بجدة: لا نريد أن نخفف حاجة الطفل فقط.. بل أن نغيّر مساره ونصنع أثرًا يمتد إلى الأجيال.
قانون الأسرة
في تاريخ العمل الأهلي السعودي، تحمل الجمعية النسائية الخيرية الأولى بجدة إرثًا يتجاوز البدايات والتأسيس؛ إرثًا يتجدد اليوم برؤية تنظر إلى العمل الخيري بوصفه استثمارًا في الإنسان، لا مجرد استجابة للحاجة.
ومن هذا المنطلق، تقود هالة الشاعر، رئيسة مجلس إدارة «الأولى» بجدة، توجهًا يضع الطفل في قلب التنمية، وينقل العمل من الرعاية إلى التمكين، ومن المساعدة الآنية إلى بناء القدرة.
في رؤيتها، لا تتعارض الرحمة مع التنمية، ولا العطاء مع التمكين؛ فالمساعدة قد تكون بداية الطريق، لكن القيمة الأعمق تكمن في أن يتحول المحتاج إلى إنسان قادر، والمستفيد إلى شريك، والفعالية إلى مورد، والثقافة إلى أداة لبناء الإنسان.
الإحسان يتطور.. والعطاء الذي يصنع القدرة هو الأبقى
* هل انتهى زمن «الجمعية التي تعطي» وبدأ زمن «الجمعية التي تمكّن»؟
– لا تعارض بين العطاء والتمكين؛ فالعطاء ضرورة إنسانية لا تنتهي، والتمكين امتداده الطبيعي والأعمق. الرعاية تخفف الحاجة، أما التمكين فيصنع القدرة على تجاوزها. قد يحتاج الإنسان إلى مساعدة عاجلة في لحظة أزمة، وهذا واجب إنساني، لكن مسؤوليتنا لا ينبغي أن تتوقف عند تلك اللحظة؛ بل علينا أن ننتقل من تلبية الحاجة إلى معالجة جذورها، ومن تقديم المساعدة إلى بناء القدرة.
لذلك، فالجمعية الواعية لا تختار بين العطاء والتمكين، وإنما تعرف متى تعطي، ومتى تفتح أبواب التعليم والتدريب واكتساب المهارات واغتنام الفرص. وهنا يتحول العطاء من أثر مؤقت إلى أثر أعمق وأطول عمرًا، فالتمكين ليس بديلًا عن الإحسان، بل امتداد له؛ إحسان ينتقل بالإنسان من تخفيف الألم إلى امتلاك القدرة وصناعة المستقبل.
الطفل.. نقطة البداية في معركة التغيير
قانونالأسرة
* لماذا يمثل الطفل محور استراتيجية «الأولى»؟
– لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الجذور؛ وما نغرسه في الطفل اليوم قد يصبح أثرًا في الأسرة والمجتمع غدًا.
المساعدة المباشرة تخفف الألم في لحظته، لكن الاستثمار في الطفل يمكن أن يغيّر مسار حياته، ولذلك نضع الطفل المحتاج في قلب استراتيجيتنا؛ إيمانًا بأن رعايته وتمكينه لا يقتصر أثرهما عليه، بل يمتد إلى أسرته ثم إلى مجتمعه.
نريد للطفل أن يحصل على التعليم، وأن يكتشف قدراته، وأن يبني ثقته بنفسه، وأن يجد الفرصة التي تمكّنه من صناعة مستقبله، فتغيير حياة طفل واحد قد يعني تغيير مسار أسرة كاملة؛ ولهذا نرى في الطفل بداية للتغيير، لا مجرد مستفيد من الدعم.
من المستفيد إلى الشريك.. هكذا تُصنع الفرص
* هل نجحت الجمعيات النسائية في الانتقال من الرعاية إلى صناعة الفرص؟
– هناك حراك واضح نحو هذا التحول، وأصبح التمكين المستدام جزءًا أساسيًا من وعي القطاع غير الربحي. وفي «الأولى»، نعمل على أن يكون العطاء مدخلًا إلى بناء القدرات، من خلال التعليم والتدريب، والمشروعات الإنتاجية، والمبادرات المستدامة، والشراكات الأوسع مع المجتمع.
والفكرة الأساسية هي أن ينتقل المستفيد من موقع المتلقي إلى موقع الشريك؛ من الاحتياج إلى الإنتاج، ومن الاعتماد إلى القدرة، ومن انتظار الفرصة إلى امتلاك أدوات صناعتها، فنجاح الجمعية لا يُقاس فقط بعدد من ساعدتهم، وإنما بعدد من أصبحوا قادرين على مساعدة أنفسهم وصناعة الفرق من حولهم.
الثقافة والترفيه.. حين تصبح المتعة أداة للنمو
الناسوالمجتمع
* لماذا لم تعد الثقافة والترفيه في أنشطة الجمعية ترفًا؟
– لأننا لم نعد ننظر إليهما بوصفهما أنشطة منفصلة عن التنمية، بل كأداتين لبناء الإنسان. الثقافة توسع مدارك الطفل وتفتح أمامه نوافذ المعرفة، والترفيه الهادف يمنحه مساحة آمنة لاكتشاف ذاته ومواهبه، وتنمية مهاراته، وتعزيز ثقته بنفسه، لذلك، يأتي إدماج الثقافة والترفيه في برامج الجمعية ضمن رؤية أوسع تستهدف تنمية الطفل وحمايته وبناء قدراته الإنسانية والمعرفية، فالترفيه حين يحمل رسالة يصبح استثمارًا، والثقافة حين تبني الإنسان تصبح إحدى أدوات التمكين.
«فنجان الخير».. من فنجان القهوة إلى استدامة الأثر
* كيف يمكن للمهرجان الثقافي أن يصبح موردًا لتمويل التنمية؟
– يمكن للثقافة أن تكون جزءًا من الحل حين تتحول الفعالية من نشاط موسمي إلى منصة قادرة على بناء الشراكات وتوليد الموارد. ومن هنا يأتي «مهرجان فنجان الخير»، الذي يقام سنويًا منذ عشرة أعوام، ونستعد للنسخة الحادية عشرة، فمن خلال القهوة والشاي، نجمع ثقافات وشعوبًا مختلفة، ونصنع مساحة للتعارف والحوار والاحتفاء بالتنوع الثقافي، وفي الوقت نفسه نخدم الطفل والمجتمع.
كما يمثل المهرجان مساحة لبناء الشراكات مع القنصليات والقطاعين العام والخاص، بما يجعله منصة ثقافية واقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود الفعالية ذاتها. نحن نؤمن بأن استدامة العمل الإنساني تتطلب تنويع موارده، وألا يظل أسيرًا للتبرعات المتقطعة.
وحين تتحول الثقافة إلى شراكة، والفنون إلى مورد، والمهرجان إلى منصة، يصبح الجمال نفسه طريقًا لاستدامة العطاء.
