في جدة، لم تكن كرة القدم يومًا مجرد لعبة تُقام على عشب ملعب؛ بل حكاية اجتماعية بدأت من الحارات والأزقة، وكبرت مع المدينة حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتها. كانت المساحة الترابية ملعبًا، والحي مدرجًا، والموهبة مشروع لاعب؛ قبل أن تنتقل من «ملاعب الحواري» إلى الأندية، ومن المدرجات الخشبية إلى الملاعب التي تتسع لعشرات الآلاف.
خلال أكثر من سبعة عقود، تغيّر شكل الملعب واتسعت المدرجات وتطورت صناعة كرة القدم، لكن جذورها الشعبية بقيت حاضرة. فجدة، المدينة التي صنع البحر والتجارة والانفتاح على العالم جزءًا من شخصيتها، صنعت كذلك ثقافة كروية خاصة؛ أندية عريقة، وديربيات مشهودة، ونجوم، ومدرجات، وطقوس تشجيع تحولت مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية.
واليوم، بينما تستعد المدينة لاستضافة «خليجي 27» للمرة الأولى في تاريخ البطولة، تبدو الرحلة من الحارة إلى الملعب الكبير وكأنها تكتمل أمام جيل جديد؛ ثمانية منتخبات، و15 مباراة، بين 23 سبتمبر و6 أكتوبر 2026، على ملعبي مدينة الملك عبدالله الرياضية «الإنماء» ومدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية.
الحارة.. الأكاديمية الأولى
قبل الأكاديميات الحديثة، كانت الحارة هي المدرسة الأولى لكرة القدم.. في المساحات المتاحة كان الأطفال والشباب يلتقون حول الكرة؛ بعضهم يلعب، وبعضهم يتفرج، فيما تمنح المباراة الصغيرة الموهبة أول فرصة للظهور. وفي جدة، اكتسبت ملاعب الأحياء أهمية إضافية؛ إذ كانت نقطة الالتقاء الأولى بين اللاعب والجمهور، وبين الموهبة والنادي.
الصبّان.. من التراب إلى أولى المدرجات
في حي القريات، يحتل ملعب الصبّان موقعًا بارزًا في ذاكرة الرياضة السعودية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن إنشاءه يعود إلى عام 1370هـ، الموافق لنحو 1950م، على أرض وهبها الأمير عبدالله الفيصل للشيخ عبدالرحمن سرور الصبان، الذي تولى بناءه بتكلفة بلغت 80 ألف ريال، وبطاقة قاربت 12 ألف متفرج.
يُعد الصبّان، وفق مصادر تاريخية، من أقدم المنشآت الرياضية الأهلية في المملكة، واحتضن في مرحلته المبكرة نهائيات لكؤوس الملك وولي العهد، قبل أن يرتبط اسمه بمحطات مهمة في تاريخ كرة القدم السعودية.
عبدالله الفيصل.. الملعب الذي كبر مع الديربي
مع اتساع جدة وتطور عمرانها، احتاجت اللعبة إلى مساحة أكبر. وفي عام 1970م أُنشئ ملعب رعاية الشباب بجدة في حي الوزيرية، قبل أن يحمل لاحقًا اسم استاد الأمير عبدالله الفيصل. وتذكر المصادر التاريخية أن سعته في بداياته تراوحت حول 20 إلى 22 ألف متفرج، قبل أن يخضع لمراحل مختلفة من التطوير.
ومع مرور العقود، أصبح الملعب أحد أبرز مسارح كرة القدم في المنطقة الغربية، واكتسب مكانة خاصة بوصفه أحد أهم مسارح ديربي جدة بين الاتحاد والأهلي.
وفي الديربي، لم تكن المدرجات مجرد مكان لمتابعة المباراة؛ كانت جزءًا من الحدث ذاته. الأصفر والأسود في مواجهة الأخضر والأبيض، والأهازيج والأعلام والهتافات، حولت المواجهة إلى مناسبة اجتماعية تمتد آثارها إلى خارج الملعب.
في عام 2001م تغيّر اسم الملعب إلى استاد الأمير عبدالله الفيصل، قبل أن يُغلق عام 2012م ضمن مشروع تطوير شامل.
الجوهرة.. حين احتاج الشغف إلى مدرج أكبر
