قصة «المبنى المهجور» في جدة

قصة «المبنى المهجور» في جدة

في جدَّة، لكلِّ جدار حكاية، ولكلِّ شارع ذاكرة، وبينما تمضي «عروس البحر» في سباق مع الزَّمن؛ لتكون وجهةً عالميَّةً ضمن رُؤية المملكة 2030، يقف سكَّان طريق الملك فهد «الستين سابقًا» العريق أمام مشهدٍ يثير الحيرة والأسف في آنٍ واحدٍ، مشهد جدران صامتة، ومبانٍ جاهزة سكنها الغُبار ل15 عامًا، بينما كان يُفترض أنْ تضجَّ بالحياة والحركة، إنَّها قصَّة «المبنى المهجور» في قلب شطر الطالبات بجامعة جدَّة، ذلك الاستثمار الذي «تجمَّد» في مكانه، وبات ينتظر مَن يفك قيوده.
لقد قطعت جامعاتنا السعوديَّة خطوات جبَّارة في «أنسنة» استثماراتها، وتحويلها إلى رافدٍ تنمويٍّ؛ فنحن ننظر بإعجاب لجامعة الملك سعود، التي جعلت من أوقافها «مدينةً داخلَ مدينةٍ»، تدرُّ الخير على البحث العلميِّ، وتدعم مستقبل الأجيال، هذا النجاح يفتحُ شهيتنا لنتساءل ب»عشم» المُحب: لماذا لا نرَى هذا النموذج يتكرَّر في جامعة جدَّة؟ هذه الجامعة الواعدة التي انطلقت قبل 12 عامًا، وباتت الآن تضمُّ 17 كليَّةً، وتمثِّل أحلام آلاف الطلاب والطالبات.
الموقعُ ليس مجرَّد أمتار مربَّعة، بل هو «جوهرة» في قلب جدَّة التجاري، مبانٍ مجهَّزة كمحلَّات، وأسواق تجاريَّة، أُسِّست قبل عقد ونصف؛ لتكون موردًا ماليًّا مستدامًا، لكنَّها بقيت «مهجورةً» تذروها الرِّياح، ليس من المنطق أنْ تبحث الجامعة عن موارد للاكتفاء الذاتيِّ، بينما تمتلك خلف أسوارها كنزًا معطَّلًا يقع في أهم شريان حيويٍّ بالمدينة.
إنَّ الاستثمار الوقفيَّ في الجامعات ليس مجرَّد أرقام في ميزانيَّات، بل هو «أمان استثماريٌّ» يضمنُ استمرار جودة التَّعليم وتوفير الفرص، تخيَّلوا لو تحوَّل هذا المبنى إلى حاضنات أعمال للفتيات، أو مراكز تدريب، أو حتَّى وجهة تجاريَّة تعود أرباحها لمنح دراسيَّة، وبحوث علميَّة.. أليسَ هذا هو الاستثمارُ الحقيقيُّ في الإنسان؟
إنَّنا نناشد اليوم، وبروح المسؤوليَّة الوطنيَّة، إلى حل «لغز» هذا المبنى الذي يحتاج إلى إرادة، وقرار جريء يخرج هذه الأصول من دائرة التعطيل إلى دائرة الاستثمار.
يا سادة، إنَّ مدينةً بجمال وحيويَّة جدَّة، وجامعةً بطموح «جامعة جدَّة»، لا يليق بهما أنْ يظل هذا الصَّرح «مهجورًا». إنَّ فكَّ ارتباط هذا المبنى، وتحويله إلى مشروعٍ استثماريٍّ ناجحٍ هو رسالة لكل طالبٍ وطالبةٍ بأنَّ مقدراتنا غالية، وأنَّنا لا نهدر الفرص.
لقد حان الوقتُ؛ لتشرق الشَّمسُ على جدران مبنى «السِّتين» المهجور؛ ليتحوَّل من «عبءٍ بصريٍّ»، إلى «فخرٍ وقفيٍّ»، نحن لا نحتاج لبناء جدران جديدة، بل نحتاج فقط لفتح الأبواب المُوصدة؛ ليدخلها الاستثمارُ ب»بركته» ونفعه، فهل نرى هذا المبنى ينبضُ بالحياة قريبًا، ويحقق حلم الاكتفاء الذاتيِّ لهذه الجامعة الواعدة؟